الغزالي

86

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

وإن طردتهم فإلى من يقصدون ؟ إلهي إن كانت رحمتك قد نفدت ، وكان لا بدّ من عذابي فاحمل عليّ جميع عذاب عبادك ، فإني قد فديتهم بنفسي . فقال اللّه تعالى : يا موسى ، اذهب إليه وقل له : لو كانت ذنوبك ملء الأرض لغفرتها لك بعد ما عرفتني بكمال القدرة والعفو والرحمة . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من صوت أحبّ إلى اللّه من صوت عبد مذنب تائب يقول : يا ربّ . فيقول الرب : لبيك يا عبدي ، سل ما تريد ، أنت عندي كبعض ملائكتي ، أنا عن يمينك ، وعن شمالك ، وفوقك ، وقريب من ضمير قلبك . اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له » . قال ذو النون المصري رحمه اللّه : إن للّه عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق القلوب ، وسقوها بماء التوبة ، فأثمرت ندما وحزنا ، فجنّوا من غير جنون ، وتبلّدوا من غير عيّ ولا بكم ، وإنهم هم البلغاء الفصحاء العارفون باللّه ورسوله ، ثم شربوا بكأس الصفاء ، فورثوا الصبر على طول البلاء ، ثم توّلهت « 1 » قلوبهم في الملكوت ، وجالت أفكارهم بين سرايا حجب الجبروت ، واستظلّوا تحت رواق الندم ، وقرؤوا صحيفة الخطايا ، فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصلوا إلى علوّ الزهد بسلّم الورع ، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا ، واستلانوا خشونة المضجع ، حتى ظفروا بحبل النجاة ، وعروة السلامة ، وسرحت أرواحهم في العلا حتى أناخوا في رياض النعيم ، وخاضوا في بحر الحياة ، وردموا خنادق الجزع ، وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا بفناء العلم ، واستقوا من غدير الحكمة ، وركبوا سفينة الفطنة ، وأقلعوا برياح النجاة في بحر السلامة حتى وصلوا إلى رياض الراحة ، ومعدن العزّ والكرامة .

--> ( 1 ) تولّهت : أي تعلقت .